حسن بن عبد الله السيرافي
107
شرح كتاب سيبويه
قال : " ومثله بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ " 1 " والمعنى بل مكرهم في الليل والنهار ، ومثله وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ " 2 " وإنما هو ولكن البرّ برّ من آمن باللّه " . وفي هذا وجه آخر ، وهو أن يجعل البر في معنى البارّ ، فكأنه قال تعالى : ولكن البارّ من آمن باللّه . قال : ( ومثله في الاتساع قوله عز وجل : وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما " 3 " المعنى : مثلكم ومثل الذين كفروا كمثل . . . الناعق والمنعوق به ) . فالناعق الراعي والمنعوق به الغنم ، فجعل المؤمنين كالراعي والكفار كالمنعوق به ، والتمثيل في ذلك كلّه أن الكفار لم يعتقدوا ما خوطبوا به ، ولم يحصلوا به أكثر من سماعه ، ويدلك على صحة هذا أن الكفار لم يشبّهوا بما ينعق ؛ لأن الذي ينعق هو الراعي ، وهم لم يشبهوا به ، وإنما شبّهوا بالمنعوق به . وقال بعضهم : أراد بقوله تعالى : كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ الذي ينعق به ، كما قال تعالى : هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ " 4 " أي ينطق به ، وكما قال تعالى : وَالنَّهارَ مُبْصِراً " 5 " أي يبصر فيه ، والمعنى في هذا التأويل أنه جعل الذين كفروا في دعاء بعضهم لبعض كمثل صياح الغنم بعضها ببعض ، واللفظ مقلوب على ما خبّرتك . قال : ومثل ذلك " بنو فلان يطؤهم الطريق " يريد يطؤهم أهل الطريق " . وهذا مدح ، والمعنى فيه أن بيوتهم على الجادة فالمارّة تنزل عليهم ويضيفونهم ، فجعل مرور أهل الطريق بهم وطأهم إياهم . وقالوا : " صدنا قنوين " وإنما يريد صدنا بقنوين أو صدنا وحسن قنوين وإنما قنوان اسم أرض . قال : وفي السعة مثله " أنت أكرم عليّ من أن أضربك " ، و " أنت أنكد من أن تتركه " إنما يريد أنت أكرم عليّ من صاحب الضرب .
--> ( 1 ) سورة سبأ ، آية : 33 . ( 2 ) سورة البقرة ، آية : 177 . ( 3 ) سورة البقرة ، آية : 171 . ( 4 ) سورة الجاثية ، آية : 29 . ( 5 ) سورة يونس ، آية : 67 .